فخر الدين الرازي

91

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق على سبيل الاستقصاء ، فثبت سقوط هذين القولين ، وظهر أن الحق هو القول الذي نصرناه وقويناه . وأما قوله تعالى : وَخَلَقَهُمْ ففيه بحثان : البحث الأول : اختلفوا في أن الضمير في قوله : خَلَقَهُمْ إلى ماذا يعود ؟ على قولين : فالقول الأول : إنه عائد إلى الْجِنَّ والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء اللَّه ، ثم إن هؤلاء القوم اعترفوا بأن أهرمن محدث ، ثم إن في المجوس من يقول إنه تعالى تفكر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب ، فتولد الشيطان عن ذلك العجب ، ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فهؤلاء معترفون بأن أهرمن محدث ، وأن محدثه هو اللَّه تعالى فقوله تعالى : وَخَلَقَهُمْ إشارة إلى هذا المعنى ، ومتى ثبت أن هذا الشيطان مخلوق للَّه تعالى امتنع جعله شريكا للَّه في تدبير العالم ، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق ، وجعل الضعيف الناقص شريكا للقوي الكامل محال في العقول . والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى الجاعلين ، وهم الذين أثبتوا الشركة بين اللَّه تعالى وبين الجن ، وهذا القول عندي ضعيف لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناه على ما ذكرناه صار ذلك اللفظ الواحد دليلا قاطعا تاما كاملا في إبطال ذلك المذهب ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب ، وأقرب المذكورات في هذه الآية هو الجن ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . البحث الثاني : قال صاحب « الكشاف » : قرئ وَخَلَقَهُمْ أي اختلافهم للإفك . يعني : وجعلوا اللَّه خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم إلى اللَّه في قولهم : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها . ثم قال : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وفيه مباحث : البحث الأول : أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكا للَّه تعالى . ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا للَّه بنين وبنات . أما الذين أثبتوا البنين فهم النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات اللَّه وقوله : بِغَيْرِ عِلْمٍ كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه . الحجة الأولى : أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون ، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلا بنفسه قائما بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته ، ومن كان كذلك فيكون عبدا له ولا ولدا له ، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو ، امتنع منه أن يثبت له البنات والبنين . الحجة الثانية : أن الولد يحتاج إليه أن يقوم مقامه بعد فنائه ، وهذا إنما يعقل في حق من يفنى ، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه . الحجة الثالثة : أن الولد مشعر بكونه متولدا عن جزء من أجزاء الوالد ، وذلك إنما يعقل في حق من يكون مركبا ويمكن انفصال بعض أجزائه عنه ، وذلك في حق الواحد الفرد الواجب لذاته محال ، فحاصل الكلام أن